بحث متقدّم  
AR EN
المطبوعات والمجلّات المواد
مستخدم جديد
هل نسيت كلمة السر؟
عربة التسوق
عربة التسوق
عربة التسوق خاصتك فارغة
خريطة الموقع مراسلة المركز الصفحة الرئيسية
مستخدم جديد؟ سجّل هنا الآن..
أخبار  
إعلان تخفيضات 70% في أسعار الكتب لفترة محدودة    إعلان تخفيضات 70% في أسعار الكتب لفترة محدودة    إعلان تخفيضات 70% في أسعار الكتب لفترة محدودة    محاضرة للدكتور خير الدين حسيب " العرب والعالم الى اين"    كتاب برنامج لمستقبل العراق بعد إنهاء الاحتلال متوفر الكترونيا على موقع المركز    محاضرة الدكتور خير الدين حسيب ألقيت بدعوة من مؤسسة شومان    تقرير في برنامج عالم الكتب على قناة بي بي سي عربي: النفط العربي والسياسة    ملخص البرنامج العلميّ لمركز دراسات الوحدة العربية، 2015 – 2019    الجلسة الختامية لندوة مستقبل التغيير في الوطن العربي
زمان الرعب الأليف والألفة المستحيلة
zaman-ro3b746482013
دراسات سياسية » زمان الرعب الأليف والألفة المستحيلة
التاريخ | 2013-04-08
الكاتب | شادي علاء الدين
سمعت كما سمع اللبنانيون جميعا خبر الإعتداء على شيخين سنيين بالقرب من كنيسة مارمخايل في منطقة    الشياح الواقعة في ضاحية بيروت الجنوبية .
ما أثار اهتمامي بشكل خاص في الموضوع أنه يقع في قلب جغرافيتي الحميمة التي نشأت فيها والتي لازال أهلي يقيمون داخل حدودها. فجأة راح رعب وحشي الملامح  يقترب  ليصير المكان وذاكرته، وباتت الصور التي يفرزها هذا المكان لا تستطيع أن تزودك بشيء من الألفة أو الطمأنينة .
 كان هذا الرعب لا يزال يجاهد محاولاً  الدخول إلى الأعماق السحيقة وتحقيق كامل السيطرة على جهازي النفسي ، ولكنه كان لايزال في الخارج، وإذ بمعلومة بسيطة  تزرعه دفعة واحدة في أغوار روحي مرتدياً ملامح مصير قاس .
الشباب الذين اعتدوا على المشايخ وكادوا يفجرون أزمة طائفية تنقل حربا أهلية قائمة بالقوة لتصبح قائمة بالفعل هم جيراني . أعرفهم جيدا وغالبا ما كنت ألتقي بهم خلال زياراتي لأهلي . هم أشخاص عاديون وبعضهم له سوابق عادية كذلك. كل ما يتصل بهم لا يخرج من هذا السياق ، وإذا بهم فجأة يصبحون أبطال مشروع فتنة.
نحن إذاً إزاء انتقال من حالة عنف عشوائي خال من العناوين إلى عنف مسيّر مدروس وخطير في نتائجه وإحالاته يقوم به أناس فقراء من أبناء الهامش الشيعي  على مشايخ ينتمون إلى الطائفة السنية .
هذا العنف المنظم لا يولد بلا أهل. اختيار هؤلاء الأشخاص يعود لكونهم من أبناء الهامش الذين لا وزن لهم وتالياً فإن فعلتهم قابلة للإستثمار في حالتي الفشل والنجاح. نجاحهم ينسب الفتنة إليهم. فشلهم يؤمن للمحرض فرصة تسليمهم للقضاء وإظهار نفسه كتيار ملتزم بالقوانين ومؤمن بسلطة الدولة. إنهم أبناء سجون ولن تكون هذه التهمة الجديدة سوى سياق متصل.
الفرق بين وضع هؤلاء قبل هذه الفعلة وبعدها هو أنهم كانوا قبلها  فرديين يتصرفون انطلاقا من نوازع خاصة، أما بعدها فقد أصبحوا ناطقين بلسان جماعة ما. صارت إحالات ما فعلوه شأنا عاماً يقع في قلب الأزمة السنية- الشيعية .
لا مجال لوجود الأفراد في زمان الحشود لذا لا مجال للأخطاء العابرة والطفيفة والتي من الممكن إصلاحها. إنه زمن الكوارث الذي يحمّل أخطاء الأفراد كنايات عامة ويربطها بمعان تأويلية تحيل دوماً على معجم واحد ووحيد هو معجم الخوف.
 الخوف يشيّد قصور المبالغات ويشيّد في محاولاته نفي أسبابه والقضاء عليها عناصر تمكينها ويحولهاإلى زمن وإلى لغة.

يا زمان الخوف:
زمن الخوف له لغته وفكره الذي يقول إنه لا وجود في البلد ولا في المناطق ولا في الأحياء والأزقة ولا في أي مكان من أمكنة هذه الجغرافيا المأزومة ناس هم ابناء البلد الواحد وهم الجيران والأحبة والأصدقاء والأهل. على العكس من كل ذلك يعلن هذا الزمان الذي يجتهد للتحول إلى قدر بوضوح تام أنه لا وجود في مخيلة وذاكرة الجميع سوى للغريب. هذا الغريب كائن قد عريّ من صفاته ليصبح ممكنا إلباسه صفات لا نهائية حتى يصير كائن الخرافة وإبن الهوامات والتخيلات وقرين الهلوسات والكوابيس والأوهام.
الغريب هو دوماً من يجلب الطاعون إلى المدينة وغالبا ما تنسب إليه كل الكوارث والمصائب، وبالطبع فإن كل شي كان هنيئا قبل حضوره لذا لا بد من قتله بأبشع الطرق الممكنة لا بل والتمثيل بجثته ايضا. هذا التصور العام هو الذي يسيطر الآن على ذهن الجميع تجاه الجميع فالغريب نظرا لكونه كائنا غير محدد يصبح محلا لإسقاطات شتى. اللحظة اللبنانية الآن هي اللحظة التي يتغذى فيها كل الخطاب السياسي والإجتماعي والثقافي من ما يمكن ان نسميه هستيريا الغريب.
تحمل الهستيريا بنية مسرحة في طياتها وهي مرض يعنى المصاب به بتأليف أوهامه ومسرحتها طوال الوقت.
الغريب هو الهستريا الجماعية الآن، ولعل أبرز علاماتها ونتائجها الخطيرة هي تلك البنية التي لا تسمح للفرد ان يكون ذاتا حرة ناطقة باسمها، بل ذاتا مذوبة ملغاة لا تعدو كونها إحالة إلى ذات كلية كبرى هي ذات الحشد. من نافل القول إن الحشد في هذه اللحظة اللبنانية المأزومة هو الطائفة.
الفرد صمام أمان حين يستطيع ممارسة فرديته وحين تلغى هذه الفردية وتستحيل وتتقمص وجه الجماعة الطائفية وتتداخل في صورتها وتلتحم بأساطيرها المؤسسة نكون قد دخلنا في زمن الكارثة.
إن ذاتا فردية واعية لحجمها وقدراتها هي ذا ت واعية تميل الى المنطق والى التآلف مع الذوات الأخرى والتفاهم معها. إنها ذات ملجومة وهي قد تخطىء ولكن اخطاءها تبقى ضمن حجم هذه الذات كما أن الفرد الحر غالبا ما يمثل قوة الضمير إذا ما قرر  شخص ما في أزمنة الرعب رفض إلغاء ذاته وتجييرها لصالح جنون الجماعة.
هذه الأدوار وهذه السياقات ممتنعة الآن فالأفراد هم عبارة عن عتالي ذات جماعية متضخمة متأزمة بالرعب وبفائض القوة وفائض المال والنفوذ كما هي حال القوى اللبنانية المتناحرة في لحظة البلاد المأزومة هذه.
الفرد الممتنع يعني حياة عامة ممتنعة ويعني كذلك ان ذاكرة مرة بصدد التكون والتضخم والتحول إلى أرشيف واحد وحيد . هذه الذاكرة هي ذاكرة المحو وهي لا تحفظ الأماكن والعلاقات والسير إلا لحظة محوها. إنها احتفاء بالمحو. ليست ذاكرة النسيان بل نسيان الذاكرة واندثارها.هذا ما تعلنه ارتكابات الفرد/ الجماعة/الطائفة في زمان الألفة المستحيلة والرعب الأليف.
يبقى السؤال هل من الممكن تدجين الرعب؟

استحالة الألفة:
 الألفة صارت مستحيلة وكذلك الذاكرة وإحالاتها. لم يعد من الممكن شعرنة الأماكن ولو عبر جهد لغوي ونفسي جدي.لبست الجغرافيا الأليفة لباس الفتنة والخراب وصرنا ناسها الذين نؤمن لها الوقود اليومي شئنا أو أبينا.
لم يعد الركون إلى معرفة ما مستمدة من العيش في الأماكن والإقامة فيها ممكنا. الأماكن خانت عيشنا فيها. خرجت من علاقات السكن والإقامة والجيرة والثرثرة ومتعة العادي. بنت تعريفاتها الجديدة التي لا تدخل في سياق اي معرفة مألوفة وواضحة. الشياح أشاحت بوجهها عني وحرمتني من وصفها وحبها، مع أنني ابنها القديم وصارت قلعة الشيعة. طريق الجديدة بنت لنفسها طريقاً يمتد من مضائق زواريبها وصولاً الى أفغانستان وصارت قلعة السنة. هل من الممكن  لمثل هذا الإشكال المكثف رمزياً الذي يصبح يوما بعد يوم فاقع الحضورأن يحل عبر جغرافيا التجاور والإقامة في مسمى الوطن الواحد؟.
عوالم الخراب المتناحرة مأهولة بالناس الذين كانوا عاديين في كل شيء . كانوا عاديين في طعامهم وشرابهم، وأحلامهم، ونزواتهم، وغضبهم وأسماء حوانيتهم. كانوا عاديين حتى في جرائمهم.
المرعب الآن أن أبناء الألفة وأبطال الهامش يستعدون للدخول إلى المتن من باب الفتنة الذي بات اليوم مشرعا على مصراعيه أكثر من أي وقت مضى.
 الوجوه التي أعرفها، والتي كانت حتى حين ترتكب أفعالاً مشينة ذات ملامح أليفة إنسانية يمكن فهمها، دخلت اليوم في رعب الغرابة، وفي سواد الإلتباس وارتدت ملامح هستيريا جماعية.
جيراني الحشاشون الأليفون.أيها المجرمون العاديون الصغار. يا أهل الألفة عودوا إلى أخطائكم الصغيرة الأليفة العادية  المختارة بخصوصية فتنجون وننجو